ثم يتسع تصوره ويتسع حتى يتجاوز ذاته وأمته وجنسه الإنساني؛ ويرى هذا الوجود كله. الوجود الصادر عن الله، الذي عنه صدر، ومن نفخة روحه صار إنساناً. ويعرفه إيمانه أن هذا الوجود كله كائن حي، مؤلف من كائنات حية. وإن لكل شيء فيه روحاً، وأن لهذا الكون كله روحاً .. وأن أرواح الأشياء، وروح هذا الكون الكبير، تتوجه إلى بارئها الأعلى - كما تتوجه روحه هو - بالدعاء والتسبيح؛ وتستجيب له بالحمد والطاعة، وتنتهي إليه بالإذعان والاستسلام. فإذا هو كيان هذا الكون، جزء من كل، لا ينفصل ولا ينعزل. صادر عن بارئه، متجه إليه بروحه، راجع في النهاية إليه. وإذا هو أكبر من ذاته المحدودة. أكبر بقدر تصوره لضخامة هذا الوجود الهائل. وإذا هو مأنوس بكل ما حوله من أرواح. ومأنوس بعد ذلك كله بروح الله التي ترعاه. وعندئذ يشعر أنه يملك أن يتصل بهذا الوجود كله، وأن يمتد طولاً وعرضاً فيه؛ وأنه يملك أن يصنع أشياء كثيرة، وأن يُنشئ أحداثاً ضخمة، وأن يؤثر بكل شيء ويتأثر.
ثم يملك أن يستمد مباشرة من تلك القوة الكبرى التي برأته وبرأت كل ما في الوجود من قوى وطاقات. القوة الكبرى التي لا تنحسر ولا تضعف ولا تغيب.
ومن هذا التصور الواسع الرحيب يستمد موازين جديدة حقيقية للأشياء والأحداث والأشخاص والقيم والاهتمامات والغايات. ويرى دوره الحقيقي في هذا الوجود، ومهمته الحقيقية في هذه الحياة. بوصفه قدراً من أقدار الله في الكون، يوجهه ليحقق به ويحقق فيه ما يشاء. ويمضي في رحلته على هذا الكوكب، ثابت الخطو، مكشوف البصيرة، مأنوس الضمير.