قال أبو داود: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ، قال: حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب. قال: أتى ابن مسعود ، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً. فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به.
وعن مجاهد: لا تجسسوا ، خذوا بما ظهر لكم ، ودعوا ما ستر الله.
وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن دجين كاتب عقبة. قال: قلت لعقبة: إن لنا جيراناً يشربون الخمر ، وأنا داع لهم الشرط ، فيأخذونهم. قال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم. قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دجين فقال: إني قد نهيتهم فلم ينتهوا. وإني داع لهم الشرط فتأخذهم. فقال له عقبة: ويحك! لا تفعل ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها"
وقال سفيان الثوري ، عن راشد بن سعد ، عن معاوية بن أبي سفيان ، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم يقول:"إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم"فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه - كلمة سمعها معاوية - رضي الله عنه - من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفعه الله تعالى بها.
فهكذا أخذ النص طريقه في النظام العملي للمجتمع الإسلامي! ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب ، بل صار سياجاً حول حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم ، فلا تمس من قريب أو بعيد ، تحت أي ذريعة أو ستار.
فأين هذا المدى البعيد؟ وأين هذا الأفق السامق؟ وأين ما يتعاجب به أشد الأمم ديمقراطية وحرية وحفظاً لحقوق الإنسان بعد ألف وأربع مائة عام؟
بعد ذلك يجيء النهي عن الغيبة في تعبير عجيب ، يبدعه القرآن إبداعاً:
{ولا يغتب بعضكم بعضاً. أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟ فكرهتموه} ..