قلت: زاد السين للتأكيد؛ لأن المقام مقام التبرُّؤ من عبادة الأصنام، فهو أْشد حاجة إلى التأكيد، وما في الشعراء بيان لعداوة الأصنام له، فلا حاجة إلى التأكيد، هكذا ظهر الفرق لي بعد تأمل شديد، والله أعلم بأسرار كتابه.
{بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) }
فإن قلت: فما وجه من قرأ: {بل متعتَ} بفتح التاء؟
قلتُ: كأن الله سبحانه وتعالى خاطب نفسه، واعترض على ذاته في قوله: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) } ، فقال مخاطبًا لنفسه: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد، وأراد بذلك الإطناب في تعييرهم؛ لأنه إذا متعهم بزيادة النعم، وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببًا في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادًا، فمثاله: أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه، ثم يقبل على نفسه فيقول: أنت السبب في ذلك، بمعروفك وإحسانك، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله.
{وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ... (63) }
فإن قلت: كيف قال عيسى عليه السلام لأمته ذلك، مع أن كل نبي يلزمه أن يبين لأمته كل ما يختلفون فيه؟
قلت: المرادُ: أنه يبين لهم مما اختلفوا فيه ما يحتاجونه دون ما لا يحتاجونه.
وقال أبو عبيدة: المراد بالبعض: الكل، كما في قوله: يصبكم بعض الذي يعدكم، ورده الناس عليه.
وقال مقاتل: هو كقوله: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} أي: في الإنجيل من لحم الإبل والشحم من كل حيوان، وصيد السمك يوم السبت من كل ما حرم عليهم في التوراة.
{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) }
فإن قلت: ما في هذه الآية يقتضي تعدد الآلهة؛ لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تعددت، كقولك: أنت طالق وطالق.
قلت: الإله هنا بمعنى المعبود، وهو تعالى معبود فيهما، والمغايرة إنما هي بين معبوديته في السماء ومعبوديته في الأرض؛ لأن المعبودية من الأمور الإضافية، فيكفي التغاير فيها من أحد الطرفين، فإذا كان العابد في السماء غير العابد في الأرض، صدق أن معبوديته في السماء غير معبوديته في الأرض، مع أن المعبود واحد.