وقوله: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللَّهِ} إِشارة إِلى ما قال: {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} ، وذلك أَن الله تعالى كان قد قال: {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً} ، ثم قال هؤلاءِ المنافقون: {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} وقصدهم تبديل كلام الله، فنبَّه على أَن هؤلاءِ لا يفعلون، وكيف يفعلون وقد علم الله منهم أَنهم لا يفعلون، وقد سبق بذلك حكمه.
ومكالمة الله تعالى العبد على ضربين: أَحدهما فِي الدُّنيا، والثاني فِي الآخرة؛ فما فِي الدُّنيا فعلى ما نبَّه عليه بقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ} الآية.
وما فِي الآخرة ثواب للمؤمنين وكرامة لهم تخفى عليهم كيفيَّته.
ونبَّه أَن ذلك يحرم على الكافرين بقوله: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .
وأَمَّا قوله صلَّى الله عليه وسلَّم:"ما من أَحد إِلاَّ سيكلِّمه ربَّه ليس بينه وبينه ترجمان"فلعلَّ المراد به فِي بعض المواقف دون بعض، أَو المراد: ما من أَحد من المؤمنين.
وقوله: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} جمع كلمة، قيل: إِنهم كانوا يبدِّلُون الأَلفاظ ويغيرونها، وقيل: إِنَّ التحريف كان مِن جهة المعنى، وهو حمله على غير ما قُصد به واقتضاه، وهذا أَمثل القولين.
وقوله: {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} ، أَى لولا يكلِّمنا مواجهة، وذلك نحو قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذلك فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} .
وأَعوذ بكلمات الله التامات، قيل: هي القرآن.
وقوله: سبحان الله عدَدَ كلماته، أَى كلامه، وهو صفته وصفاته لا تنحصر بالعدد، فذكر العدد هنا مجاز بمعنى المبالغة فِي الكثرة.