وقرأ الجمهور: {يَشَأْ} بالهمزة، وقرأ ورش عن نافع بلا همزة، وقرأ جمهور السبعة: {الرِّيحَ} : بالإفراد، وقرأ نافع {الرياح} بالجمع، وقرأ الجمهور: {فَيَظْلَلْنَ} : بفتح اللام الأولى، وقرأ قتادة بكسرها، وهي لغة قليلة، والقياس الفتح لأن الماضي بكسر العين، فالكسر في المضارع شاذ.
والمعنى: إن يشأ الله، الذي قد أجرى هذه السفن في البحر، أن لا تجري فيه، أسكن الريح التي تجري بها، فتثبت في موضع واحد، وتقف على ظهر الماء، لا تتقدم ولا تتأخر.
ثم أتى بجملة معترضة بين ما مضى وما سيأتي فقال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الذي ذكر من أمر السفن، اللاتي يجرين تارة، ويركدن تارة أخرى، على حسب مشيئة الله تعالى {لَآيَاتٍ} عظيمة في أنفسها، كثيرة في العدد، دالة على ما ذكر من شؤونه {لِكُلِّ صَبَّارٍ} ؛ أي: لكل من كان كثير الصبر على احتمال البلايا في طاعة الله تعالى {شَكُورٍ} ؛ أي: كثير الشكر على نعمائه، باستعمال كل عضو من الأعضاء، فيما خلق له، قال قطرب: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، قال عون بن عبد الله:
فَكَمْ مِنْ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرُ شَاكِرِ ... وَكَمْ مِنْ مُبتَلَىً غَيْرُ صَابِرِ
ويجوز أن يكون مجموع صبار، شكور كناية عن الآتي بجميع ما كلف من الأفعال والتروك، فالمعنى: لكل مؤمن كامل في خصائل الإيمان، وثمراتها ترجع كلها إلى الصبر والشكر، فإن الإيمان نصفه صبر عن المعاصي، ونصفه شكر، وهو الإتيان بالواجبات.
والمعنى: أي إن في جري هذه الجواري في البحر، بقدرته تعالى، لحجة بينة على قدرته على ما يشاء، لكل ذي صبر على طاعته، شكور لنعمه وأياديه عنده، والمؤمن إذا كان في ضراء كان من الصابرين، وإذا كان في السراء كان من الشاكرين.
34 -وقوله: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ} معطوف على {يُسْكِنِ} ؛ أي: يُهلكهن الله تعالى بالغرق، والمراد: أهلهن بما كسبوا من الذنوب، وقيل: بما أشركوا. والأول أولى، فإنه يهلك في البحر المشرك وغير المشرك، يقال: أوبقه إذا أهلكه كما في"القاموس".