والمعنى: إن يشأ يسكن الريح، فيركدن على ظهره، أو يرسلها بشدة، فيغرقهن بعدله، وإيقاع الإيباق عليهن، مع أنه حال أهلهن للمبالغة والتهويل، يعني: أن المراد إهلاك أهلها بسبب ما كسبوا من الذنوب الموجبة للهلاك.
قال سعدي المفتي: والظاهر أنه لا مانع من إبقاء الكلام على حقيقته فالآية مثل قوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ} إلخ؛ أي: يوبق سفائنهم بشؤم ما كسبوا {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} فلا يوبق أموالهم، انتهى. وإجراء حكمه على العفو، في قوله تعالى: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} لما أن المعنى: أو يرسلها فيوبق ناسًا، وينجي آخرين، بطريق العفو.
وقرأ الأعمش: {ويعفو} بالواو، وعن أهل المدينة {ويعفو} بنصب الواو، وقرأ الجمهور: {وَيَعْفُ} : مجزومًا، عطفًا على {يُوبِقْهُنَّ} ، فأما قراءة الأعمش، فإنه أخبر تعالى، أنه يعفو عن كثير؛ أي: لا يؤاخذ بجميع ما اكتسب الإنسان، فهو كلام مستأنف، وأما النصب، فبإضمار أن بعد الواو، كالنصب بعد الفاء في قراءة من قرأ {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ} ، وبعد {الواو} في قول الشاعر:
فَإِنْ يَهْلِكْ أَبْوْ قَابُوْسَ يَهْلِكْ ... رَبِيْعُ النَّاسِ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ
وَنَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أَجَبّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهْ سَنَامُ
رُوي بنصب (ونأخذ) ورفعه وجزمه، وفي هذه القراءة يكون العطف على مصدر متوهم؛ أي: يقع إيباق، وعفو عن كثير، وأما الجزم فإنه داخل في حكم جواب الشرط. إذ هو معطوف عليه. وهو راجع في المعنى إلى قراءة النصب، لكن هذا عطف فعل على فعل، وفي النصب عطف مصدر مقدر على مصدر متوهم.
والمعنى: أي وإن يشأ يجعل الرياح عواصف، فيغرق السفن بذنوب راكبيها, ولكنه يعفو عن كثير من ذنوبهم، ولو آخذهم بجميع ما يجترحون منها، لأهلك كل من ركب البحر.
والخلاصة: أنه لو شاء أسكن الريح. فوقفت السفن رواكد على ظهر البحر، ولو شاء لأرسلها عاتية قوية، فأخرتها عن سيرها، وصرفتها ذات اليمين، وذات الشمال، آبقة لا تسير على طريق، ولا تصل إلى مقصد حتى تغرق، ولكن من رحمته ولطفه يرسلها بقدر الحاجة، لينتفع بها الملاحون لقضاء أوطارهم.