وإنما لم يقل (فادفع بالتي هي أحسن) لأنه على تقدير قائل قال: فكيف أصنع؟ فقيل: {ادفع بالتي هِىَ أَحْسَنُ}
وقيل: (لا) مزيدة للتأكيد والمعنى: لا تستوي الحسنة والسيئة، وكان القياس على هذا التفسير أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة، ولكن وضع {التي هِىَ أَحْسَنُ} موضع {الحسنة} ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة، لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما دونها، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بالتي هي أحسن: الصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة.
(وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ(47)
أضافهم إلى نفسه على زعمهم وبيانه في قوله {أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ} وفيه تهكم وتقريع.
{قَالُواْ ءَاذَنَّاكَ} أعلمناك وقيل أخبرناك وهو الأظهر إذ الله تعالى كان عالماً بذلك وإعلام العالم محال، أما الإخبار للعالم بالشيء فيتحقق بما علم به إلا أن يكون المعنى إنك علمت من قلوبنا الآن إنا لنشهد تلك الشهادة الباطلة، لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنه أعلموه.
(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ(51)
وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام كما استعير الغلظ لشدة العذاب، ولا منافاة بين قوله {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} وبين قوله {فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} لأن الأول في قوم والثاني في قوم، أو قنوط في البر وذو دعاء عريض في البحر، أو قنوط بالقلب ذو دعاء عريض باللسان، أو قنوط من الصنم ذو دعاء لله تعالى. انتهى انتهى {تفسير النسفي} ...