الثَّانِي أَنَّهَا قُدْرَةٌ مِنْهُ ظَهَرَتْ لَهُمَا فَقَامَ مَقَامَ الْكَلَامِ فِي بُلُوغِ الْمُرَادِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. (قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ظُهُورُ الطَّاعَةِ مِنْهُمَا حَيْثُ انْقَادَا وَأَجَابَا فَقَامَ مَقَامَ قَوْلِهِمَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي ... - مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتُ بَطْنِي
يَعْنِي ظَهَرَ ذَلِكَ فِيهِ.
وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: بَلْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِمَا الْكَلَامَ فَتَكَلَّمَتَا كَمَا أَرَادَ تَعَالَى: (قَالَ أَبُو نَصْرٍ السَّكْسَكِيُّ: فَنَطَقَ مِنَ الْأَرْضِ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ، وَنَطَقَ مِنَ السَّمَاءِ مَا بِحِيَالِهَا، فَوَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ حَرَمَهُ.
وَقَالَ: (طَائِعِينَ) وَلَمْ يَقُلْ طَائِعَتَيْنِ عَلَى اللَّفْظِ وَلَا طَائِعَاتٍ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّهُمَا سماوات وَأَرَضُونَ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُمَا وَعَمَّنْ فِيهِمَا، وَقِيلَ: لَمَّا وَصَفَهُنَّ بِالْقَوْلِ وَالْإِجَابَةِ وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ أَجْرَاهُمَا فِي الْكِنَايَةِ مَجْرَى مَنْ يَعْقِلُ، ومثله: (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) [يوسف: 4] وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَفِي حَدِيثٍ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: يَا رَبِّ لَوْ أَنَّ السماوات وَالْأَرْضَ حِينَ قُلْتَ لَهُمَا (ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) عَصَيَاكَ مَا كُنْتَ صَانِعًا بِهِمَا؟ قَالَ كُنْتُ آمُرُ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّي فَتَبْتَلِعُهُمَا.
قَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ تِلْكَ الدَّابَّةُ؟ قَالَ: فِي مَرْجٍ مِنْ مُرُوجِي.
قَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ ذَلِكَ الْمَرْجُ؟ قَالَ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِي.
ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ (آتَيَا) بِالْمَدِّ وَالْفَتْحِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (آتَيْنَا طَائِعِينَ) عَلَى مَعْنَى أَعْطِيَا الطَّاعَةَ مِنْ أَنْفُسِكُمَا (قالَتا) أَعْطَيْنَا (طَائِعِينَ) فَحَذَفَ الْمَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا.
وَيَجُوزُ وَهُوَ أَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ (آتَيْنَا) فَاعَلْنَا فَحُذِفَ مَفْعُولٌ وَاحِدٌ.