والملاحظ أن سورة غافر فصّلت في الآيات الأربع الأولى من سورة البقرة، من خلال سياقها، وما ذلك إلا لأنّ الآيات الأولى من سورة البقرة الواردة في المتقين هي المقدمة الصحيحة للكلام عن الكافرين، وسنلاحظ أنّ سورة (فصّلت) ستفصّل في الآيات نفسها، وفي الآيات التي تتحدّث عن الكافرين، حتى إنّ مقدمتها لتكاد تكون إجمالا لذلك كله. وما ذلك إلا لأنّ هذا كله مقدمة بديهية لمضمونها، فسورة (فصّلت) تلخّص مضمون السورتين السابقتين، ثم تنطلق في موضوعها الخاص .. وسورة (غافر) تلخّص مضمون سورة (الزمر) ، وتنطلق في سياقها الخاص ومن ثمّ نجد ما يلي:
تبدأ سورة الزمر بقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وسورة غافر تبدأ بقوله تعالى: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ .. ثم تحدثت عن الكافرين، وسورة فصّلت تلخص في مقدمتها مضمون السورتين السابقتين، وتنطلق فنجد بدايتها: حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ* وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ فالسورة اللاحقة في المجموعة تلخّص مضامين ما قبلها وتبني عليها.
كنا قد سجّلنا معنى في سورة الزمر: هو أن سورة الزمر بدأت بذكر اسمين من أسماء الله عزّ وجل. الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقلنا إنه يلاحظ أنّ السورة يظهر فيها آثار هذين الاسمين فهي مجلى لهما.