ولما كان المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله قال تعالى: {وحاق} أي: نزل محيطاً بعد إحاطة الإغراق {بآل فرعون} أي: فرعون وأتباعه لأجل إصرارهم على الكفر ومكرهم هذا إن قلنا أن الآل مشترك بين الشخص وأتباعه وإن لم نقل ذلك فالإحاقة بفرعون من باب أولى لأن العادة جرت أنه لا يوصل إلى جميع أتباع الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه {سوء العذاب} أي: الغرق في الدنيا والنار في الآخرة ، فإن قيل: قوله تعالى: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} معناه: أنه رجع إليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين ، كقول العرب: من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً ، فإذا فسر سوء العذاب بالغرق في الدنيا ونار جهنم في الآخرة لم يكن مكرهم راجعاً إليهم لأنهم لا يعذبون بذلك ؟
أجيب: بأنهم هموا بشر فأصابهم ما وقع عليه اسم السوء ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه وقوله تعالى:
{النار} في إعرابه ثلاثة أوجه ؛ أحدها: أنه بدل من سوء العذاب ، قاله الزجاج ، ثانيها: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو أي: سوء العذاب النار لأنه جواب لسؤال مقدر وقوله تعالى: {يعرضون} على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من النار وأن يكون حالاً من آل فرعون ، ثالثها: أنه مبتدأ وخبره يعرضون {عليها غدواً وعشياً} أي: صباحاً ومساء ، قال ابن مسعود: أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو وتروح إلى النار ويقال: يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة. وقال قتادة: تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشياً ما دامت الدنيا. وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة".