والله لو لم يكونوا يعلمون حلاوة القرآن وأخْذه لمن سمعه واستيلاءه على الأسماع والقلوب، ولولا خوفهم من أنْ يأخذ القرآنُ منهم سيادتهم لما قالوا هذا الكلام، ولما حذَّروا الناس من سماعهم، ولو كان كلاماً عادياً ما وقفوا منه هذا الموقف. إذن: فهموا أن القرآن حَقٌّ، ومَنْ سمعه لا بدَّ أنْ يهتدي به. ومعنى سمعه يعني: بمواجيده.
سمعنا كثيراً قصة إسلام سيدنا عمر بن الخطاب، وكان جباراً في الجاهلية عنيداً غليظ القلب، فماذا حدث له بعد سماع القرآن؟ لقد سمعه أولاً من أخته فغضب ولطمها على وجهها، فسال الدم من وجهها، وعندها تحركت عاطفته نحو أخته، فلما تحركت عاطفته غطتْ على لدد الخصومة عنده للإسلام، ولما غطَّت على لدد الخصومة للإسلام وصل القرآن إلى قلبه بدون لدادة فأثَّر فيه فآمن.
وقد صوَّر لنا القرآنُ في موضع آخر نموذجاً لاستهزاء أهل الباطل بأهل الحق، قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} [المطففين: 29 - 33] .
ثم يذكر الحق سبحانه عاقبة هذا الاستهزاء، واللقطة الأخيرة في هذا الموقف
{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين: 34 - 35] ثم يسألنا ربنا
{هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المطففين: 36] يعني: هل قدرنا أنْ نجازيهم بما يستحقون؟
{فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} * {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}
هذه الآية تُمثِّل نفس الموقف الذي مرَّ به فرعون لما أدركه الغرق
{قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] فردَّ الله عليه
{آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91] .