وجملة {فَمَا أغنى عَنْهم مَا كَانُوا يَكْسِبونَ} معترضة والفاء للتفريع على قوله: {كَانُوا أكْثَرَ مِنْهُم} وهو كقوله تعالى: {هذا فليذوقوه حميم وغساق} [ص: 57] وقول عنترة:
ولقد نَزَلْتتِ فلا تظنّي غيره
مني بمنزلة المحَبّ المكرَم...
وفائدة هذا الاعتراض التعجيل بإفادة إن كثرتهم وقوتهم وحصونهم وجناتهم لم تغن عنهم من بأس الله شيئاً.
وجملة {فَلَمَّا جَاءَتْهُم رُسُلُهم بالبينات} الآية مفرعة على جملة {كَانُوا أكْثَرَ مِنْهُم} أي كانوا كذلك إلى أن جاءتهم رسل الله إليهم بالبينات فلم يُصدقوهم فرأوا بأسنا.
وجعلها في"الكشاف"جارية مجرى البيان والتفسير لقوله: {فَمَا أغنى عَنْهُم} ، وما سلَكْتُه أنا أحسن ومَوقع الفاء يؤيده.
ولِما في (لَمَّا) من معنى التوقيت أفادت معنى أن الله لم يغير ما بهم من النعم العظمى حتى كذبوا رسله.
وجواب (لمّا) جملة {فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ العِلْمِ} وما عطف عليها.
واعلم أن المفسرين ذهبوا في تفسير هذه الآية طرائق قِدداً ذكر بعضها الطبري عن بعض سلف المفسرين.
وأنهاها صاحب"الكشاف"إلى ستّ ، ومال صاحب"الكَشف"إلى إحداها ، وأبو حيان إلى أُخرى ولا حاجة إلى جلب ذلك.
والطريقة التي يرجح سلوكها هي أن هنا ضمائر عشرة هي ضمائر جمع الغائبين وأن بعضها عائد لا محالة على {الَّذِينَ مِن قَبلِهم} وأن وجه النظم أن تكون الضمائر متناسقة غير مفككة فلذا يتعين أن تكون عائدة إلى معاد واحد ، فالذين (فَرحوا بما عندهم من العلم) هم (الذين جَاءتهم رُسُلهم بالبينات) ، وهم الذين (حَاق بهم ما كانوا به يستهزئون) ، والذين رأوا بأس الله ، فما بنا إلا أن نُبين معنى {فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ العِلمِ} .