فَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْتِ بَاطِلا فَإِنِّي أُذَكِّرُكِ يَوْمًا تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وَتَصِيرُ الْجِبَالِ كَالْعِهْنِ وَتَجْثُو الأُمُمُ لِصَوْلَةِ الْجَبَّارِ الْعَظِيمِ وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ ضَعُفْتُ عَنْ إِصْلاحِ نَفْسِي فَكَيْفَ بِإِصْلاحِ غَيْرِي
وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْتِ حَقًّا فَإِنِّي أَدُلُّكِ عَلَى طَبِيبٍ هُوَ أَوْلَى بِالْكُلُومِ الْمُمْرِضَةِ وَالْوِجَاعِ الْمُرْمِضَةِ ذَلِكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَاقْصُدِيهِ عَلَى صِدْقِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنِّي مُتَشَاغِلٌ عَنْكِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تخفي الصُّدُور} فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ فَوَقَفَتْ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ فَلَمَّا رَآهَا مِنْ بَعِيدٍ أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى مَنْزِلِهِ لِئَلا يَرَاهَا
فَقَالَتْ يَا فَتَى لَا تَرْجِعْ فَلا كَانَ الْمُلْتَقَى بَعْدَ هَذَا أَبَدًا إِلا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
وَبَكَتْ بُكَاءً كَثِيرًا ثُمَّ قَالَتْ أَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ قَلْبِكَ أَنْ يُسَهِّلَ مَا قَدْ عُسِّرَ مِنْ أَمْرِكَ ثُمَّ تَبِعَتْهُ فَقَالَتِ امْنُنْ عَلَيَّ بِمَوْعِظَةٍ أَحْمِلُهَا عَنْكَ وَأَوْصِنِي بِوَصِيَّةٍ أَعْمَلُ عَلَيْهَا
فَقَالَ لَهَا الْفَتَى أُوصِيكِ بِحِفْظِ نَفْسِكِ مِنْ نَفْسِكِ وَأُذَكِّرُكِ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جرحتم بِالنَّهَارِ} .
قَالَ فَأَطْرَقَتْ وَبَكَتْ بُكَاءً أَشَدَّ مِنْ بُكَائِهَا الأَوَّلِ ثُمَّ أَفَاقَتْ ثُمَّ لَزِمَتْ بَيْتَهَا وَأَخَذَتْ فِي الْعِبَادَةِ.
قَالَ فَكَانَتْ إِذَا جَهِدَ بِهَا الأَمْرُ تَدْعُو بِكِتَابِهِ فَتَضَعُهُ عَلَى عَيْنَيْهَا فَيُقَالُ لَهَا وَهَلْ يُغْنِي هَذَا شَيْئًا؟ فَتَقُولُ وَهَلْ لِي دَوَاءٌ غَيْرُهُ؟
وَكَانَ إِذَا جَنَّ عَلَيْهَا اللَّيْلُ قَامَتْ إِلَى مِحْرَابِهَا فَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ كَمَدًا