وأما جملة {والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء} فناظرة إلى جملة {ما للظالمين من حميم ولا شفيع} [غافر: 18] فبعد أن نُفي عن أصنامهم الشفاعة ، نُفيَ عنها القضاءُ بشيء مَّا بالحق أو بالباطل وذلك إظهار لعجزِها.
ولا تحْسِبنَّ جملةَ {والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء} مسوقةً ضميمة إلى جملة: {والله يقضي بالحق} ليفيد مجموع الجملتين قصر القضاء بالحق على الله تعالى قَصْرَ قلب ، أي دون الأصنام ، كما أفيد القصر من ضم الجملتين في قول السمَوْأل أو عبد الملك الحارثي:
تَسيل على حد الظُّبات نفوسنا
وليست على غير الظُّبات تسيل...
لأن المنفي عن آلهتهم أعمّ من المثبت لله تعالى ، وليس مثل ذلك مما يضاد صيغة القصر لكفى في إفادته تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بحَمْله على إرادة الاختصاص في قوله: {والله يقضي بالحق} .
فالمراد من قوله: {والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء} التذكير بعجز الذين يدعونهم وأنهم غير أهل للإِلهية ، وهذه طريقة في إثبات صفة لموصوف ثم تعقيب ذلك بإظهار نقيضه فيما يُعدّ مساوياً له كما في قول أمية بن أبي الصلت:
تلك المكارمُ لا قَعْبَاننِ من لَبَن
شيباً بماءٍ فصار فيما بعدُ أبوالا...
وإلاَّ لما كان لعطف قوله: لا قَعْباننِ من لبن ، مناسبة.
والدعاء يجوز أن يكون بمعنى النداء وأن يكون بمعنى العبادة كما تقدم آنفاً.
وجملة {إن الله هو السميع البصير} مقررة لجمل {يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور} إلى قوله: {لا يَقْضُون بشيء} [غافر: 19 ، 20] .
فتوسيط ضمير الفصل مفيد للقصر وهو تعريض بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر فكيف ينسبون إليها الإِلهية ، وإثبات المبالغة في السمع والبصر لله تعالى يُقرر معنى {يَقْضِي بالحق} لأن العالم بكل شيء تتعلق حكمته بإرادة الباطل ولا تخطئ أحكامه بالعثار في الباطل.
وتأكيد الجملة بحرف التأكيد تحقيق للقصر.