فمعنى {كاظمين} : اكنين لا يستطيعون كلاماً.
فعلى هذا التأويل لا يقدَّر ل {كاظمين} مفعول لأنه عومل معاملة الفعل اللازم.
ويقال: كَظَم كظماً ، إذا سَدّ شيئاً مجرى ماء أو باباً أو طريقاً فهو كاظم ، فعلى هذا يكون المفعول مقدراً.
والتقدير: كاظمينها ، أي كاظمين حناجرهم إشفاقاً من أن تخرج منها قلوبهم من شدة الاضطراب.
وانتصب {كاظمين} على الحال من ضمير الغائب في قوله: {أنذرهم} على أن الحال حال مقدرة.
ويجوز أن يكون حالاً من القلوب على المجاز العقلي بإسناد الكاظم إلى القلوب وإنما الكاظم أصحاب القلوب كما في قوله تعالى: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} [البقرة: 79] وإنما الكاتبون هم بأيديهم.
وجملة {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يُطاع} في موضع بدل اشتمال من جملة {القُلُوب لدَى الحناجِر} لأن تلك الحالة تقتضي أن يستشرفوا إلى شفاعة من اتخذوهم ليَشفعوا لهم عند الله فلا يُلفون صديقاً ولا شفيعاً.
والحميم: المحب المشفق.
والتعريف في {الظالمين} للاستغراق ليعم كل ظالم ، أي مشرك فيشمل الظالمين المنذَرين ، ومن مضى من أمثالهم فيكون بمنزلة التذييل ولذلك فليس ذكر الظالمين من الإِظهار في مقام الإِضمار.
ووصْفُ: {شفيع} بجملة {يطاع} وصْف كاشف إذ ليس أن المراد لهم شفعاء لا تطاع شفاعتهم لظهور قلة جدوى ذلك ولكن لما كان شأن من يتعرض للشفاعة أن يثق بطاعة المشفوع عنده له.
وأُتبع {شفيع} بوصف {يطاع} لتلازمهما عرفاً فهو من إيراد نفي الصفة اللازمةِ للموصوف.
والمقصودُ: نفي الموصوف بضرب من الكناية التلميحية كقول ابننِ أحمر:
ولا تَرى الضبَّ بها ينْجَحِرْ
أي لا ضبّ فيها فينجحر ، وذلك يفيد مفاد التأكيد.
والمعنى: أن الشفيع إذا لم يُطَع فليس بشفيع.
والله لا يجترئ أحد على الشفاعة عنده إلا إذا أذن له فلا يشفع عنده إلا مَن يُطاع.
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)