يَقُولُ لِإِبْلِيسَ: تَعَظَّمْتَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، فَتَرَكْتَ السُّجُودَ لَهُ اسْتِكْبَارًا عَلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ الْعَالِينَ قَبْلَ ذَلِكَ {أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ}
يَقُولُ: أَمْ كُنْتَ كَذَلِكَ مِنْ قَبْلُ ذَا عُلُوٍّ وَتَكَبُّرٍ عَلَى رَبِّكَ {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ: فَعَلْتَ ذَلِكَ فَلَمْ أَسْجُدْ لِلَّذِي أَمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ لَهُ لِأَنِّي خَيْرٌ مِنْهُ وَكُنْتُ خَيْرًا لِأَنَّكَ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، وَالنَّارُ تَأْكُلُ الطِّينَ وَتُحْرِقُهُ، فَالنَّارُ خَيْرٌ مِنْهُ، يَقُولُ: لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ اسْتِكْبَارًا عَلَيْكَ، وَلَا لِأَنِّي كُنْتُ مِنَ الْعَالِينَ، وَلَكِنِّي فَعَلْتُهُ مِنْ أَجْلِ أَنِّي أَشْرَفُ مِنْهُ؛ وَهَذَا تَقْرِيعٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَوْا الِانْقِيَادَ لَهُ، وَاتِّبَاعَ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ اسْتِكْبَارًا عَنْ أَنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ حِينَ قَالُوا: {أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} وَ {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} فَقَصَّ عَلَيْهِمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ قِصَّةَ إِبْلِيسَ وَإِهْلَاكِهِ بِاسْتِكْبَارِهِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ بِدَعْوَاهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِنْ طِينٍ، حَتَّى صَارَ شَيْطَانًا رَجِيمًا، وَحَقَّتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ لَعْنَتُهُ، مُحَذِّرَهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَسْتَحِقُّوا بِاسْتِكْبَارِهِمْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَسَدًا وَتَعَظُّمًا مِنَ اللَّعْنِ وَالسَّخْطِ مَا اسْتَحَقَّهُ إِبْلِيسُ بِتَكَبُّرِهِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِإِبْلِيسَ: {فَاخْرُجْ مِنْهَا}
يَعْنِي مِنَ الْجَنَّةِ {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}
يَقُولُ: فَإِنَّكَ مَرْجُومٌ بِالْقَوْمِ، مَشْتُومٌ مَلْعُونٌ.
وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي}
يَقُولُ: وَإِنَّ لَكَ طَرْدِي مِنَ الْجَنَّةِ {إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}