وقوله: {الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} (الصافنات) الخيل، واحدها صافن، والصافن الذي يقوم على ثلاث قوائم ويرفع قائمة عن الأرض مع إصابة طرف سُنْبُكِها الأرضَ، يقال: صفَنَ الفرس يَصْفِنُ صفُونًا فهو صَافِنٌ، وقيل: الصافن من الخيل: القائم بأي وصف كان. والجياد: جمع جَوَاد، وهو الذي يجود بالعدو، وقيل: جمع جَوْد، كسِياط وحِياض في سَوْطٍ وحَوضٍ، والجَوْدُ: الكثير الجَرْيِ، مُشَبَّهٌ بالمطر الجَوْدِ. وقيل: الجياد الطوال الأعناق، من الجيد وهو العنق.
وقوله: {أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} اختلف في معنى {أَحْبَبْتُ} ، فقيل: معناه آثرت، والاستحباب في معناه، وفي التنزيل: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} أي: يؤثرونها عليها. وقيل: هو على بابه من المحبة، يقال: أَحبّه فهو مُحَبّ. وحَبّه يَحِبّه بالكسر فهو محبوب، قال:
549 -أُحِبُّ أَبَا مَرْوَانَ مِنْ أَجْلِ تَمْرِهِ ...
ثم قال:
وَواللهِ لولا تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ...
فجمع بينهما كما ترى. وقيل: أحببت بمعنى قعدت ولزمت، من أَحَبَّ البعيرُ، إذا برك، والإحبابةُ في الإبل كالحِرانِ في الخيل، قال الشاعر:
550 -* ضَرْبَ البَعِيرِ السَّوْءِ إِذْ أَحَبَّا *
فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: {حُبَّ الْخَيْرِ} على الوجه الأول مفعول به، و {عَنْ} بمعنى على، وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض.
وعلى الوجه الثاني: يجوز أن يكون مصدرًا لأحببت على حذف الزيادة، كقوله: جل ذكره: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} على أحد الوجهين، وقوله:
551 -... بَعْدَ عَطَائِكَ المائةَ الرِّتَاعَا
وأن يكون مصدر حَبَبْتُهُ من المحبة، ومفعول الإحباب على هذين التقديرين مؤخر، والتقدير أحببت الخير حبًا، ثم أخَّرَ الخيرَ وأضاف حبًا إليه، فهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول به، ودلت إضافته إليه على إرادة تعدي الفعل إليه.