ثم أخبر عن أمر الآخرة بقوله تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} [سبأ: 47] يشير إلى أن من شرط دعوة الحق إلى الله أن تكون خالصة لوجه الله لا يشوبها طمع في الدنيا والآخرة، كما قال: {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ} [سبأ: 47] وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم قد سألهم شيئا من الأجر ثم رده إليهم بقوله: فهو لكم، وأما ما سأل منهم ما أمره الله تعالى بقوله: {لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23] ثم أمره بردها إليهم بقوله: ما سألتكم عليه من أجر إلا المودة في القربى فهو رد إليكم ليكون مودتهم خالصة لله ويكون أداء رسالتي خالصاً لوجه الله {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} [سبأ: 47] يصدر مني ومنكم {شَهِيدٌ} [سبأ: 47] يجازينا بحسب نيتنا وصدق عقيدتنا.
{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ} [سبأ: 48] على أفعال أهل الخلاف فيضمحل اجتراؤهم ويحيق بهم شؤم معاصيهم ويقذف بالحق إذا حضر أصحاب المعاني على ظلمات أصحاب الدعاوى فيحمل ما أنذرهم ويفتضحون في الحال ويفضح عوارهم، وذلك لأنه تعالى {عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} ، وإنما ذكر الغيوب بلفظ الجمع؛ لأنه عالم بغيب كل واحد، وما في ضمير كل واحد، وأنه تعالى عالم بما يكون في ضمير أولاد كل أحد إلى يوم القيامة، وإنما قال علام بلفظ المبالغة ليتناول علمه معلومات الغيوب في الحالات المختلفة كما هي بلا تغير في العلم عند تغير المعلومات من حال إلى حال بحيث لا يشغله شأن حال عن حال {قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] على مرور الأيام لا يريد الباطل إلا زهوقاً والحق لا يزداد على ممر الأيام إلا قوة وظهورا.