{فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} [سبأ: 19] عبرة للعالمين وتنبيهاً للراغبين؛ لئلا نقطع عليهم الدنيا بما فيها طريق الطلب وسبيل الرشاد إلى الله عز وجل {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سبأ: 19] أي: مزقناهم في أودية الهلاك لكل فرقة دركة من دركات جهنم البعد {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [سبأ: 19] أي: في هذه القضية {لآيَاتٍ} [سبأ: 19] دلالات {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} [سبأ: 19] على ترك الدنيا وشهواتها {شَكُورٍ} [سبأ: 19] لنعمة عصمة الحق تعالى إياه وتوفيقه للعبودية.
ثم أخبر عن حال الشيطان مع الإنسان بقوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ} [سبأ: 20] حديثاً عليهم {إِبْلِيسُ} [سبأ: 20] عليهم ظنه يشير إلى أن إبليس لم يكن متيقناً أنه يقدر على الإغواء والإضلال بل كان ظاناً بنفسه أنه يقدر على إغواء من لم يطع الله ورسوله، ولما زين لهم الكفر والمعاصي على وفق هواهم، وتابعوه بذلك صدق عليهم ظنه غير مستقل في التسلط عليهم بل بتلسيط الله إياه عليهم.
كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ} [سبأ: 21] أي: ما سلطناه عليهم إلا لنميز {مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ} [سبأ: 21] أي: نظهر ونبين من هو مؤمن ممن هو منها أي: من الآخرة {فِي شَكٍّ} [سبأ: 21] ولا يظنن ظان بالله ظن السوء إن الله جل جلاله لم يكن عالماً بأهل الكفر وأهل الإيمان، وإنما سلط عليهم إبليس ليعلم به المؤمن من الكافر، فإن الله تعالى بكمال قدرته وحكمة خلق أهل الكفر مستعداً للكفر وخلق أهل الإيمان مستعداً للإيمان، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلها".