{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} [الأعراف: 179] فالله تعالى كان عالماً بحال الفريقين قبل خلقهم، وهو الذي خلقهم على ما هم به، ولهذا قال: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} [سبأ: 21] أي: هو الذي يحفظ كل شيء على ما هو به وقال صلى الله عليه وسلم:"بعث الشيطان مزيناً وليس إليه في الضلالة شيء وإنما سلطه على بني آدم لاستخراج جواهرهم عن معادنهم الإنسانية"كما تسلط النار على المعادن لتخليص جوهرها فإن كان الجوهر ذهباً فيخرج من الخلاص الذهب وإن كان الجوهر نُحاساً فيخرج النحاس، فلا تقدر النار أن يخرج من معدن النحاس الذهب ولا من معدن الذهب النحاس، وإنما سلط الشيطان على بني آدم؛ لأنهم معادن الذهب والفضة وهو ناري ليستخرج جواهرهم من معادنهم بنفخة الوسواس فلايقدر أن يخرج من كل معدن إلا ما هو جوهره.
وبقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ} [سبأ: 22] يشير إلى الهوى والدنيا والشيطان فإن النفوس الحيوانية يعبدون هذه الأشياء ويتخذونها آلهة لاحتياجهم بها {لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ} [سبأ: 22] سماوات القلوب {وَلاَ فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 22] أرض النفوس من سعادة ولا شقاوة، وما لهم فيهما من شرك أي: شركة في إصلاح القلوب والنفوس وإفسادها، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء وما له أي: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} [سبأ: 22] أي: معاونة في الإصلاح والإفساد وإن كانوا وسائط لهذا المعنى؛ لأنهم كالمال للصانع، فالصانع واحد والآلات والأدوات كثيرة.