فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلَ: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ بِبَعْضِهِمْ أَنْ يَرِثُوهُمْ بِالْهِجْرَةِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ ظَاهَرَ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ مِنْ صِلَةِ الْأَرْحَامِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ وَلَمْ يُهَاجِرْ.
وَقَوْلُهُ: {إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَّا أَنْ تُوصُوا لِذَوِي قَرَابَتِكِمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَّا أَنْ تُمْسِكُوا بِالْمَعْرُوفِ بَيْنَكُمْ بِحَقِّ الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَلْفِ فَتُؤْتُونَهُمْ حَقَّهُمْ مِنَ النُّصْرَةِ وَالْعَقْلِ عَنْهُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ تُوصُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَصِيَّةً.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمُ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَعْرُوفًا مِنَ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ وَالنُّصْرَةِ وَالْعَقْلِ عَنْهُمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ الَّذِي قَدْ حَثَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ هَذَا الْقَوْلَ، وَقُلْتُ: هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قِيلِ مَنْ قَالَ: عَنَى بِذَلِكَ الْوَصِيَّةَ لِلْقَرَابَةِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ لِأَنَّ الْقَرِيبَ مِنَ الْمُشْرِكِ وَإِنْ كَانَ ذَا نَسَبٍ فَلَيْسَ بِالْمَوْلَى وَذَلِكَ أَنَّ الشِّرْكَ يَقْطَعُ وِلَايَةَ مَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُشْرِكِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا بِقَوْلِهِ: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنِ اتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ يَصِفُهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَنَّهُمْ لَهُمْ أَوْلِيَاءُ. وَمَوْضِعُ أَنْ مِنْ قَوْلِهِ {إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا} نَصْبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ.