قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَوَّلَ مَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ اللَّهُ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} ، قَالَ: إِذَا لَمْ يَأْتِ رَحِمٌ لِهَذَا يَحُولُ دُونَهُمْ، قَالَ: فَكَانَ هَذَا أَوَّلًا، فَقَالَ اللَّهُ {إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا}
يَقُولُ: إِلَّا أَنْ تُوصُوا لَهُمْ {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} أَنَّ أُولِي الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُهَاجِرُونَ لَا يَتَوَارَثُونَ إِنْ كَانُوا أُولِي رَحِمٍ، حَتَّى يُهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَرَأَ قَالَ اللَّهُ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وِلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، إِلَى قَوْلِهِ {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} ، فَكَانُوا لَا يَتَوَارَثُونَ، حَتَّى إِذَا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ، انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ، وَكَثُرَ الْإِسْلَامُ، وَكَانَ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ أَنْ يَكُونَ عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَمَنْ مَعَهُ إِلَّا أَنْ يُهَاجِرَ""
قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ بَعَثَ: «اغْدُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَوَلَّوْا، ادْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكُمْ فَاقْبَلُوا وَادْعُوهُمْ إِلَى الْهِجْرَةِ، فَإِذَا هَاجَرُوا مَعَكُمْ، فَلَهُمْ مَا لَكُمْ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْكُمْ فَإِنْ أَبَوْا وَلَمْ يُهَاجِرُوا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأَقِرُّوهُمْ فِيهَا فَهُمْ كَالْأَعْرَابِ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي هَذَا الْفَيْءِ نَصِيبٌ»
قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ الْفَتْحُ وَانْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» .
وَكَثُرَ الْإِسْلَامُ، وَتَوَارَثَ النَّاسُ عَلَى الْأَرْحَامِ حَيْثُ كَانُوا، وَنُسِخَ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ، وَكَانَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ نَصِيبٌ، وَإِنْ أَقَامُوا وَأَبَوْا، وَكَانَ حَقُّهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَاحِدٌ: الْمُهَاجِرُ وَغَيْرُ الْمُهَاجِرِ وَالْبَدَوِيُّ وَكُلُّ أَحَدٍ، حِينَ جَاءَ الْفَتْحُ"."