والجعل المنفي هنا هو الجعل الجبلي ، أي: ما خَلَق الله رجلاً بقلبين في جوفه وقد جعل إبطال هذا الزعم تمهيداً لإبطال ما تواضعوا عليه من جعْل أحدٍ ابناً لمن ليس هو بابنه ، ومِن جَعْل امرأة أمّاً لمن هي ليست أمه بطريقة قياس التمثيل ، أي أن هؤلاء الذين يختلقون ما ليس في الخلقة لا يتورعُون عن اختلاق ما هو من ذلك القبيل من الأبوة والأمومة ، وتفريعهم كل اختلاقهم جميع آثار الاختلاق ، فإن البنوة والأمومة صفتان من أحوال الخلقة وليستا مما يتواضع الناس عليه بالتعاقد مثل الولاء والحلف.
فأما قوله تعالى {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] فهو على معنى التشبيه في أحكام البرور وحرمة التزويج ؛ ألا ترى ما جاء في الحديث:"أن رسول الله لما خطب عائشة من أبي بكر قال له أبو بكر: يا رسول الله إنما أنا أخوك ، فقال رسول الله: أنت أخي وهي لي حلال"أي أن الأخوة لا تتجاوز حالة المشابهة في النصيحة وحسن المعاشرة ولا تترتب عليها آثار الأخوة الجبلية لأن تلك آثار مرجعها إلى الخلقة فذلك معنى قوله"أنت أخي وهي لي حلال".
والجوف: باطن الإنسان صدره وبطنه وهو مقر الأعضاء الرئيسية عدا الدماغ.
وفائدة ذكر هذا الظرف زيادة تصوير المدلول عليه بالقلب وتجليه للسامع فإذا سمع ذلك كان أسرع إلى الاقتناع بإنكار احتواء الجوف على قلبين ، وذلك مثل قوله: {ولكن تعمى القُلوبُ التي في الصُّدور} [الحج: 46] ونحوه من القيود المعلومة ؛ وإنما يكون التصريح بها تذكيراً بما هو معلوم وتجديداً لتصوره ، ومنه قوله تعالى: {وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} وقد تقدم في سورة الأنعام (38) .
{وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمَّهاتِكُم}