فأوحى الله تعالى إليه يا داود إذا علمت أنَّ ما بك من نعمة فمني فقد شكرتني. والشكر ثلاثة أشياء: الأول: معرفة النعمة بمعنى إحضارها في الخاطر بحيث يتميز عندك أنها نعمة، فرب جاهل تحسن إليه وتنعم عليه وهو لا يدري، فلا جرم أنه لا يصح منه الشكر.
الثاني: قبول النعمة بتلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة، فإنّ ذلك شاهد بقبولها حقيقة.
الثالث: الثناء بها بأن تصف المنعم بالجود والكرم ونحوه مما يدل على حسن تلقيك لها واعترافك بنزول مقامك في الرتبة عن مقامه، فإنّ اليد العليا خير من اليد السفلى.
{وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً}
أي: في نفس الأمر، وقيده بقوله {تَرْضَاهُ} لأنّ العمل الصالح قد لا يرضاه المنعم لنقص في العامل، كما قيل:
إذا كان المحب قليل حظ... فما حسناته إلا ذنوب
وقوله {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} يدل على أنَّ دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق العبد، والمعنى: أدخلني في جملتهم وأثبت اسمي في أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين.
«فَإِنْ قِيلَ» : درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين والأولياء فما السبب في أنَّ الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين وقد تمنى يوسف عليه السلام بقوله {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (الشعراء: 83)
وقال إبراهيم: {هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (الشعراء: 83) .
أجيب: بأنَّ الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله تعالى ولا يفعل معصية ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية.
قوله {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}