قلت: ما هي إلا تنزيل لأحوالهم، وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنّهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية انتهى.
«فَإِنْ قِيلَ» : (عَمِيَ) يتعدى ب (عَنْ) تقول: عَمِي فلان عن كذا، فلم عدي ب (مِنْ) قوله «مِنْهَا عَمُونَ» ؟
فالجواب: أنّه جعل الآخرة مبدأ عَمَاهُم ومنشأه.
والمعنى على قراءة ابن كثير: «أَدْرَكَ» أي بلغ ولحق، كما تقول: أدركه علمي، إذَا لحقه وبلغه يريد: ما جهلوا في الدنيا وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة. قال مجاهد: يدريك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها، حين لا ينفعهم علمهم.
وقال مقاتل: بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكّوا وعمُوا عنه في الدنيا. كقوله {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا} ، أي هم اليوم في شك من الساعة. وعلى قراءة «ادَّارَكَ» ، تتابع علمهم في الآخرة أنها كائنة {هُمْ فِي شَكٍّ} في وقتهم. وقيل استفهام معناه: هل تدارك وتتابع بذلك في الآخرة يعني لم يتتابع، وضلّ وغاب علمهم به، فلم يبلغوه ولم يُدركوه، لأنّ في الاستفهام ضرباً من الجحد. وقال علي بن عيسى: بل هاهنا لو أدركوا في الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكُّوا بل هُم مِنْهَا عَمُونَ جمع عمٍ، وهو الأعمى القلب.
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) }
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ لَمْ يقل (كيف كانت) عاقبة المجرمين؟
فالجواب أنّ تأنيثها غير حقيقي، ولأنّ المعنى: كيف كان آخر أمرهم؟
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ لَمْ يقل عاقبة الكافرين؟
فالجواب: أنّ هذا يحصل في التخويف لكل العصاة.
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) }
قوله: «بحُكْمِهِ» العامة على ضم الحاء وسكون الكاف، وجناح بن حبيش بكسرها وفتح الكاف، جمع حِكْمة، أي: نقضي بين المختلفين يوم القيامة بحِكْمة الحق.
«فَإِنْ قِيلَ» : القضاء والحكم شيء واحد، فقوله: {يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ} كقوله يقضي بقضائه ويحكم بحكمه!!