وذكر الأزهري وجها آخر فقال: أجمع المفسرون على أن تأويل قوله {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} ثم ليختنق، وهو محتاج إلى شرح يزيد في بيانه، ومعنى {لْيَقْطَعْ} ليمد الحبل مشدودًا على حلقه مدًا شديدًا حتى يقطع حياته ونفسه خنقًا.
وعلى هذا معنى {لْيَقْطَعْ} ليقطع نفسه. والقول هو الأول، ويدل عليه قراءة عبد الله (ليقطعه) بالهاء الراجع إلى السبب.
قال الأزهري: والمعنى: فليختنق غيظًا حتى يموت، فإن الله مظهره ولا ينفعه غيظه.
قوله تعالى: {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} أي: صنيعه وحيلته {مَا يَغِيظُ} (ما) بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده غيظه؟ ويجوز أن يكون (ما) بمعنى: (الذي) ، والمعنى: هل يذهبن كيده الذي يغيظه؟.
والأول قول الفراء والزجاج. ويقال: غظتُ فُلانًا أغيظُه غَيْظًا.
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: غاظهُ وأغَاظَهُ وغَيَّظه بمعنى واحد.
وشرح ابن قتيبة هذه الآية على هذا القول بأبلغ بيان فقال: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطؤون ما وعد الله رسوله من النصر، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم له أمره، فقال الله {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ} يعني محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على مذهب العرب في الإضمار لغير مذكور، وهو يسمعني أعده النصر والإظهار والتمكين، أو كان يستعجل به قبل الوقت الذي قضيت أن يكون ذلك فيه {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} أي: بحبل {إِلَى السَّمَاءِ} يعني سقف البيت، وكل شيء علاك وأظلك فهو سماء، والسحاب: سماء، يقول الله: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9] ، وقال سلامة بن جندل يذكر قتل كسرى النعمان:
هُوَ المُدْخِلُ النُّعمانَ بيتًا سماؤه نُحورُ ... الفُيول بعد بَيْتِ مُسَرْدَق