المضغة: اللحم (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) المخَلَّق منها هو المصور، فمن النطف من
يصور في رأس الأربعين ليلة وهو الذكر، وأمَّا الأنثى فإن خلقها يصور عند انقضاء
أجل المضغة، قوله: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: الذكر من الأنثى في الخلقة، وقد يمكن أن يكون معنى ذلك يقول: هذا لنبين لكم القدرة على الخلقة ونقلها في درجاتها، وعلمنا بها وقدرتنا عليها وتدبيرنا إياها، كيف نشأ في مضيق مسكنها
وعمايات مستقرها، وهي ظلمات ثلاث، حيث نبين التوحيد منا بتدبيرها في درجاتها
وتنقيلها إلى محالها منها وبجميع مواد الخلقة بعضها إلى بعض، وسوق الرزق إليها
بحيث لا تبلغ صنع الأبوين ولا حفاية الأولياء.
ثم قال: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: من لدن نفخ الروح
في ذلك المخلوق إلى وضعه (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) لتمام الآجال وانقراض آمادها،
ثم قال: (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) فتستوي الخلقة وتستجمع الصفات والقوى الظاهرة
والباطنة (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى) من قبل (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ)
هذا تنبيه على إرجاع آخر الأمر على أوله، وفيه تنبيه على معرفة المرء نفسه ومن لا
يعرف نفسه لا يعرف ربه، هذا فضل معرفة النفس.
ثم قال وقوله الحق: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً) أرانا دلالة أخرى
وطريقًا ثانيًا من النظر على ما أراد إثباته كما قال: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) .
يقول - عزَّ من قائل: (فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) لما رويت بالماء
توجه إليها الكون ودخلها روح الخلقة، فربت له وخامرها أمر الله، فتشققت تهيؤًا
للمراد منها وبها، ثم أظهر الله عنها نباتها فهبت عليها الرياح فاهتزت، وأضاف ذلك
الفعل إلى الأرض؛ لأنه عنها، وتلك رحمة رُحمنا بها؛ لأن الحركة والفعل دليل
على الحياة، يقول الله - جلَّ من قائل: (وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) أي:
مبهج فعيل بمعنى مُفّعِل.