يحتمل قوله: (يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) ، أي: يحكم بين هَؤُلَاءِ يوم القيامة؛ لاختلافهم في الدنيا، كقوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ) ثم قال: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) ، أي: يحكم بين هَؤُلَاءِ يوم القيامة، فالفصل بينهم يوم القيامة هو الحكم الذي ذكر في هذه الآية.
ويحتمل قوله: (يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) في المقام: يبعث هَؤُلَاءِ إلى الجنة وهَؤُلَاءِ إلى النار؛ فذلك الفصل بينهم.
وجائز أن يكون قوله: (يَفْصِلُ) أي: يبين لهم الحق من الباطل؛ حتى يقروا جميعا بالحق ويؤمنوا به، لكن لا ينفعهم ذلك يومئذ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) من أعمالهم، وأفعالهم، وإقرارهم، وأقوالهم، وجميع ما كان منهم.
وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)
حرف (مَن) في ظاهر اللغة واللسان إنما يعبر به عن الممتحن من البشر والجن والملائكة، وأما الموات فإنه لا يعبر به عنه، وإنَّمَا يعبر عنه بحرف (مَا) ، لكن ذكر في آخره - وهو قوله: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ...) الآية - ما يدل أنه أراد الكل: الممتحن، والموات جميعًا، حيث قال: (وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) وإلا ظاهره ما ذكرنا: أنه إنما يعبر ب (مَن) عن الممتحن، وبحرف (ما) عن الكل.
وجائز أن يكون عند الاجتماع يذكر باسم الممتحن؛ على ما يذكر عند اجتماع الذكر والأنثى باسم الذكور.
ثم ما ذكر من سجود هذه الأشياء يخرج على وجوه:
أحدها: سجود خلقة، يسجد كل شيء ذكر بخلقته لله، على ما ذكرنا في التسبيح.
والثاني: سجود عبادة، وهو سجود كل ممكن من إتيانه، وتركه، وهو سجود الممتحن.