قال ابن كثير في تفسير أرذل العمر: وهو الشيخوخة والهرم، وضعف القوة والعقل، والفهم، وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر، ولهذا قال لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً أي لكيلا يعلم شيئا من بعد ما كان يعلمه، أو لكيلا يستفيد علما وينسى ما كان عالما به. هذا هو الدليل الأول على قدرة الله على البعث؛ فالله الذي قدر أن يخلق الإنسان من تراب، ثم ينقله من حال إلى حال، لا يعجزه أن يخلق الإنسان مرة ثانية بعد إذ صار ترابا. والآن يأتي الدليل الثاني:
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً أي ميتة يابسة فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ أي
تحركت بالنبات وحييت بعد موتها وَرَبَتْ أي ارتفعت وهذه إحدى ملاحظات علماء القشرة الأرضية المعاصرين: أن الأرض بعد المطر ترتفع وتربو، وهو موضوع سنراه في الفوائد وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي صنف بَهِيجٍ أي حسن سار للناظرين إليه، لفت النظر إلى الأرض إذ أنبتت ما فيها من الألوان والفنون، من ثمار وزروع وأشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها، ومنافعها من كل صنف حسن المنظر، يحدث بهجة في النفس
ذلِكَ أي الذي ذكرناه من خلق بني آدم من تراب، وإحياء الأرض بعد موتها، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ أي ذلك حاصل بسبب أن الله هو الحق، أي الثابت الوجود وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي ما كان شيء من ذلك يحدث لولا أن الله حق، وأنه متصف بصفة إحياء الموتى، وأنه قادر على كل شيء، وإذا ثبت من خلال ما مر هذا كله فإن مقتضى اتصاف الله بهذا أن يبعثكم مرة ثانية، فهو قادر، وهو يحيي الموتى، وهو حق، ومن مقتضى كونه حقا ألا يخلق عبثا، وألا يترك سدى