ولبعض أهل العلم قول ثالث في معنى الآية الكريمة: وهو أن الضمير في {لَّن يَنصُرَهُ} عائد إلى من في قوله تعالى {مَن كَانَ يَظُنُّ} وأن النصر هنا بمعنى الرزق ، وأن المعنى: من كان يظن أن لن ينصره الله أي لن يرزقه ، فليختنق ، وليقتل نفسه ، إذ لا خير في حياة ليس فيها رزق الله وعونه ، أو فليختنق ، وليمت غيظاً وغماً ، فإن ذلك لا يغير شيئاً مما قضاه الله وقدره ، والذين قالوا هذا القول قالوا: إن العرب تسمي الرزق نصراً ، وعن أبي عبيدة قال: وقف علينا سائل من بني بكر ، فقال: من ينصرني نصره الله ، يعني: من يعطيني أعطاه الله ، قالوا: ومن ذلك قول العرب: أرض منصورة: أي ممطورة ، ومنه قول رجل من بني فقعس:
وإنك لا تُعطي أمرأً فوق حقِّه... ولا تملك الشّق الذي ألغيت ناصره
أي معطيه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول الأخير ظاهر السقوط ، كما ترى ، والذين قالوا: إن الضمير في قوله {أَن لَّن يَنصُرَهُ الله} راجع إلى الدين ، أو الكتاب ، لا يخالف قولهم قول من قال: إن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم ، لأن نصر الدين ، والكتاب هو نصره صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى ، ونصر الله له صلى الله عليه وسلم في الدنيا ، بإعلائه كلمته ، وقهره أعداءه ، وإظهار دينه ، وفي الآخرة بإعلاء درجته ، والانتقام ممن كذبه ، ونحو ذلك كما قال تعالى {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد} [غافر: 51] فإن قيل: قررتم أن الضمير في ينصره ، عائد إليه صلى الله عليه وسلم ، وهو لم يجر له ذكر ، فكيف قررتم رجوع الضمير إلى غير مذكور.