وانطلق إلى ناحية الأرض الأخرى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس ، فعمل فيها وجند منها جنوداً كفعله في الأولى ، ثم كَرَّ مقبلاً حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى يريد تأويل ، وهي الأمة التي تقابل هاويل بينهما عرض الأرض ، ففعل فيها كفعله فيما قبلها ، ثم عطف إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجن والإنس ويأجوج ومأجوج ، فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك من المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين! إن بين هذين الجبلين خلقاً من خلق الله تعالى كثيراً ليس لهم عدد ، وليس فيهم مشابهة من الإنس ، وهم أشباه البهائم ؛ يأكلون العشب ، ويفترسون الدواب والوحش كما تفترسها السباع ، ويأكلون حشرات الأرض كلها من الحيات والعقارب والوزغ وكل ذي روح مما خلق الله تعالى في الأرض ، وليس لله تعالى خلق ينمو نماءهم في العام الواحد ، فإن طالت المدة فسيملأون الأرض ، ويُجلون أهلها منها ، فهل نجعل لك خَرْجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً؟ وذكر الحديث ؛ وسيأتي من صفة يأجوج ومأجوج والترك إذ هم نوع منهم ما فيه كفاية.
قوله تعالى: {قُلْنَا ياذا القرنين} قال القشيري أبو نصر: إن كان نبياً فهو وحي ، وإن لم يكن نبياً فهو إلهام من الله تعالى.
{إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} قال إبراهيم بن السريّ: خَيَّره بين هذين كما خَيَّر محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] ونحوه.
وقال أبو إسحاق الزجاج: المعنى أن الله تعالى خيره بين هذين الحكمين ؛ قال النحاس: وردّ علي بن سليمان عليه قوله ؛ لأنه لم يصح أن ذا القرنين نبي فيخاطب بهذا ، فكيف يقول لربه عز وجل:"ثم يردّ إلى ربه"؟ وكيف يقول:"فسوف نعذبه"فيخاطب بالنون؟ قال: التقدير ؛ قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين.