وأنه لا بأس على العالم أن يشترط على المتعلم أمورا معينة قبل أن يبدأ في تعليمه.
فقد قال الخضر لموسى: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً.
8 -أنه يجوز دفع الضرر الأكبر بارتكاب الضرر الأصغر، فإن خرق السفينة فيه ضرر ولكنه أقل من أخذ الملك لها غصبا، وإن قتل الغلام شر، ولكنه أقل من الشر الذي سيترتب على بقائه. وهو إرهاقه لأبويه، وحملهما على الكفر.
كما يجوز للإنسان أن يعمل عملا في ملك غيره بدون إذنه بشرط أن يكون هذا العمل فيه مصلحة لذلك الغير كأن يرى حريقا في دار إنسان فيقدم على إطفائه بدون إذنه. ويدفع ضرر الحريق بضرر أقل منه، فقد خرق الخضر السفينة، لكي تبقى لأصحابها المساكين.
9 -أن التأنى في الأحكام. والتثبت من الأمور، ومحاولة معرفة العلل والأسباب ... كل ذلك يؤدى إلى صحة الحكم، وإلى سلامة القول والعمل.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب» .
10 -أن من دأب العقلاء الصالحين. استعمال الأدب مع الله - تعالى - في التعبير، فالخضر قد أضاف خرقه للسفينة إلى نفسه فقال: «فأردت أن أعيبها .. » وأضاف الخير الذي
فعله من أجل الغلامين اليتيمين إلى الله فقال: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ:
وشبيه بهذا ما حكاه الله - تعالى - عن صالحي الجن في قولهم: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ، أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً.
11 -قال القرطبي: قوله - تعالى - يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أي: قرب أن يسقط. وهذا مجاز وتوسع.
وقد فسره في الحديث بقوله «مائل» فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور.
وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق إذا أسندت إلى جماد أو بهيمة، فإنما هي استعارة.
أي: لو كان مكانها إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل، وهذا في كلام العرب وأشعارهم كثير، كقول الأعشى:
أتنهون ولا ينهى ذوى شطط ... كالطّعن يذهب فيه الزيت والفتل