78 - {قَالَ} الخضر لموسى: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} ؛ أي: هذا الوقت وقت الفراق بيننا، أو هذا الاعتراض الثالث منك سبب الفراق الموعود بقوله {فَلَا تُصَاحِبْنِي} ، أو هذا الاعتراض المتوالي منك، هو سبب الفراق بيني وبينك، بحسب ما شرطت على نفسك، وإنما كان هذا الأخير سبب الفراق دون الأولين لأن ظاهرهما منكر، فكان موسى فيهما معذورًا دون هذا، إذ لا ينكر الإحسان إلى المسيء بل يحمد، وإضافة الفراق إلى البين من إضافة المصدر إلى الظرف اتساعًا؛ أي: هذا الكلام والإنكار منك على ترك الأجر، هو المفرق بيننا، وتكريره بيني وبينك وعدوله عن بيننا، لمعنى التأكيد، وقرأ ابن أبي عبلة {فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} بالتنوين والجمهور على الإضافة.
{سَأُنَبِّئُكَ} ؛ أي: سأخبرك، السين للتأكيد لعدم تراخي التنبئة، وقرأ ابن وثاب: {سأنبيك} بإخلاص الياء من غير همز {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} ؛ أي: بعاقبة ومآل ما لم تقدر يا موسى صبرًا عليه من الأفعال الثلاثة التي صدرت مني وهي خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، ومألها خلاص السفينة من اليد الغاصبة، وخلاص أبوي الغلام من شره، مع الفوز ببدل حسن، واستخراج اليتيمين للكنز.
وفي قوله: {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} دون أن يقول بتأويل ما فعلت، أو بتأويل ما رأيت ونحوهما، تعريض به عليه السلام وعتاب له.
قال بعضهم: ومن هذا أخذ قول بعض الكبار: من قال لأستاذه: لِمَ .. لم يفلح، والتأويل رجع الشيء إلى مآله، والمراد به هاهنا المال والعاقبة، إذ هو المنبأ به دون التأويل ثم شرع في البيان له.
79 -فقال: {أَمَّا السَّفِينَةُ} التي خرقتها {فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} أعني لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظلمة، وكانوا عشرة إخوة، خمسة منهم زمنى {يَعْمَلُونَ} بها أي يكتسبون بها {فِي الْبَحْرِ} مؤاجرة، فإسناد العمل إلى الكل بطريق التغليب أو لأن عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين.