(ومن مظاهر الإعجاز في هذا القرآن أنك لا تجد حرفا فيه إلا وهو في محله، وفي مكانه، ووجوده فيه في غاية الحكمة، ويعطي في المكان الذي هو فيه من المعاني العجيب. فمثلا تلاحظ أنّ الخضر لمّا علل لأفعاله الثلاثة قال في الأولى: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وقال في الثانية: فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً وقال في الثالثة: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما ففي الثالثة أسند الإرادة إلى الله وحده، لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله، ولأنه إنعام محض، فكان كمال الأدب أن يسند الفعل إلى الله. وفي المرة الثانية قال: فَأَرَدْنا لأنه إفساد من حيث الفعل، إنعام من حيث التبديل، فلم ينسبه إلى نفسه منفردة صراحة، ولم ينسبه إلى الله صراحة. وفي المرة الأولى قال: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها نسبة إلى نفسه فقط. لأنه إفساد في الظاهر وهو فعله فكانت دقته في التعبير نموذجا على كمال أدبه، فهو تعليم لنا، وأدب من أدب الأولياء مع الله، وقد دلنا ما رأيناه على ما ذكرنا في أول الفائدة كيف أن هذا القرآن من الدقة بحيث إنّ كل حرف في مكانه، وكل كلمة في مكانها، وكلّ آية في مكانها، وكل سورة في مكانها، من الكمال بما لا يحيط به إلا الله: ومن ثم فإن المعاني التي تتولد عن دراسة كتاب الله لا حدّ لها.
6 - [من الآداب التي يجب التحلي بها لطالب العلم]
(في قوله تعالى على لسان موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً دليل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته.
وأن يتواضع لمن هو أعلم منه، وفيه دليل على أن الإنسان كلما ارتقت نفسه لم يبق عنده كبر. فهذا موسى رسول من أولي العزم لم يجد غضاضة أن يطلب من الخضر عليه السلام أن يعلمه.
7 - [لماذا جاز قتل الغلام في حق الخضر عليه السلام؟]