(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) الأب هو الأب القريب؛ لأنه لَا يكون يتيما إلا إذا كان قد فقد الأب القريب، ولا يكون الصلاح ممتدا إلى الأبناء كما تشير الآية إلا إذا كان الولد صبيا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له"فصلاح الأبناء ينسحب خيرا للآباء، وكذلك صلاح الآباء.
وكان تحت هذا الجدار كنز لهما، وَرثَاه عن أبيهما الصالح فيما يظهر، والكنز المال الكثير المدفون في باطن الأرض بدفن الإنسان، وهذا الكنز مضيع إن لم يستخرج، وقد أراد الله تعالى أن يستخرج كنزهما، وهذا قوله تعالى: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) ، والأشد هو القوة، وقد شرحنا اشتقاقه، أي أن يبلغا قوتهما في الجسم والعقل، والرشد في التعامل (وَيَسْتَخْرِجَا كنزَهُمَا) ، واستخراج الكنز طلب إخراجه، والعمل على ذلك منهما أو من غيرهما ممن له صلة بهما، فالسين والتاء للطلب، وذكر إرادة اللَّه دون إرادته هو، وإن كانت إرادته تابعة لإرادة اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأن هذه الإرادة الإلهية متعلقة بأمر في المستقبل يتصل بالتكوين وهو بلوغ الأشد، وأن يحصلا على كنزهما بعد محاولة استخراجه ببذل ما يبذل في سبيل ذلك عادة (رَحْمَةً مِن رَّبِّكَ) ، أي لأجل الرحمة من ربك الذي هو الحي القيوم الذي يرب الوجود جميعا، أحياء وغير أحياء.
وهنا نجد أن إقامة الجدار كان لأجل استخراج الكنز، وإن ذلك لَا يتم فيما يظهر إلا بهدم الجدار أولا ليظهر ما تحته من كنز، ثم إقامته من جديد بعد كشف ما تحته.