ها هو ذا يصطدم بالتجربة العملية لتصرفات هذا الرجل فيندفع مستنكراً.
نعم إن طبيعة موسى طبيعة انفعالية اندفاعية، كما يظهر من تصرفاته في كل أدوار حياته. منذ أن وكز الرجل المصري الذي رآه يقتتل مع الإسرائيلي فقتله من اندفاعه. ثم أناب إلى ربه مستغفراً معتذراً حتى إذا كان اليوم الثاني ورأى الإسرائيلي يقتتل مع مصري آخر، هم بالآخر مرة أخرى!
نعم إن طبيعة موسى هي هذه الطبيعة. ومن ثم لم يصبر على فعلة الرجل ولم يستطع الوفاء بوعده الذي قطعه أمام غرابتها. ولكن الطبيعة البشرية كلها تلتقي في أنها تجد للتجربة العملية وقعاً وطعماً غير التصور النظري. ولا تدرك الأمور حق إدراكها إلا إذا ذاقتها وجربتها.
ومن هنا اندفع موسى مستنكراً:
{قال: أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا} .
وفي صبر ولطف يذكره العبد الصالح بما كان قد قاله منذ البداية:
{قال: ألم أقل: إنك لن تستطيع معي صبراً؟} .
ويعتذر موسى بنسيانه، ويطلب إلى الرجل أن يقبل عذره ولا يرهقه بالمراجعة والتذكير:
{قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً؟} .
ويقبل الرجل اعتذاره، فنجدنا أمام المشهد الثاني:
{فانطلقا. حتى إذا لقيا غلاماً فقتله ..} .
وإذا كانت الأولى خرق سفينة واحتمال غرق من فيها؛ فهذه قتل نفس. قتل عمد لا مجرد احتمال. وهي فظيعة كبيرة لم يستطع موسى أن يصبر عليها على الرغم من تذكره لوعده:
{قال: أقتلت نفساً زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئاً نكرا} .
فليس ناسياً في هذه المرة ولا غافلاً؛ ولكنه قاصد. قاصد أن ينكر هذا النكر الذي لا يصبر على وقوعه ولا يتأول له أسباباً؛ والغلام في نظره بريء. لم يرتكب ما يوجب القتل، بل لم يبلغ الحلم حتى يكون مؤاخذاً على ما يصدر منه.
ومرة أخرى يرده العبد الصالح إلى شرطه الذي شرط ووعده الذي وعد، ويذكره بما قال له أول مرة. والتجربة تصدقه بعد التجربة: