ثم شرع في تقرير الحكم التي تضمنتها أفعاله وتلك الحكم تشترك في أصل واحد هو أنه أذا تعارض الضرر إن وجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى فقال: {أما السفينة فكانت لمساكين} قيل: كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة {يعملون في البحر} وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين {وكان وراءهم ملك} وهو مسمى بجلندي والوراء ههنا بمعنى الأمام وقد مر في قوله: {ومن ورائه عذاب غليظ} [إبراهيم: 17] وقيل: أراد خلفهم وكان طريقهم في الرجوع وما كان عندهم خبرة {يأخذ كل سفينة} أي غير معيبة {غصباً} ولا يخفى أن الضرر الحاصل من التخريق أهون من فوات السفينة بالكلية والتخريق ، وإن كان تصرفاً في ملك الغير إلا أنه إذا تضمن نفعاً زائداً لم يكن به بأس. ولعل مثل هذا التصرف كان جائزاً في تلك الشريعة ، أو لعله كان من مخصوصات النبي صلى الله عليه وسلم. قال جار الله. قوله: {فأردت أن أعيبها} مسبب عن خوف الغصب عليها وكان حقه أن يتأخر عن السبب ولكنه قدم للعناية أي تتعجب من هذا وهو مرادي وأنا مأمور به. وأيضاً خوف الغصب ليس هو السبب وحده ، ولكن مع كون السفينة للمساكين فتوسط إرادة العيب بين المسكنة والغصب كتوسط الظن بين المبتدأ والخبر في قولك"زيد ظني مقيم"في أنه يتعلق بالطرفين {وأما الغلام} فقد قيل: إنه كان بالغاً قاطع الطريق يقدم على الأفعال المنكرة وكان أبواه مضطرين إلى التعصب له والذب عنه فكانا يقعان في الفسق لذلك واحتمل أن يؤدي ذلك إلى الكفر والارتداد كما قال: {فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً} . يقال: رهقة أي غشيه وأرهقه إياه. وقيل: إنه كان صبياً إلا أنه تعالى علم من حاله أنه لو صار بالغاً صدرت عنه هذه المفاسد ، فأعلم الخضر بحاله وأمره بقتله لئلا يرتد الأبوان بسببه ومثل هذا لا يجوز إلا إذا تأكد الظن بالوحي. وقيل: أراد فخفنا أن يغشى الوالدين طغياناً عليهما