أي: يتتبعان أثر سيرهما، حتى يصلا إلى المكان الذي كانا نائمين فيه، فلما وصلا إلى هذا المكان وجدا الخضر، وكان من أمر موسى معه ما ذكره الله في كتابه، فقوله: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} قوله: {قَصَصًا} ليس المراد به القصة التي هي موضوع حديثنا، كما وردت كلمة القصاص في أربعة مواضع من القرآن، منها ثلاثة في البقرة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة: 178) ، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (البقرة: 179) ، {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص} (البقرة: 194) وموضع في المائدة في قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} (المائدة: 45) .
والقصاص كما هو واضح ليس هو القصة، وإن اشترك هو والذي قبله في أصل استعمال الكلمة، وهو تتبع الأثر للوصول إلى الغاية، بقيت لنا إذن أربع وعشرون آية، هي موضوع دراستنا في القصة في القرآن، فماذا في هذه الآيات من المعاني وماذا فيها من الدروس؟:
هذا درس من قصة يوسف -عليه السلام- يقول الله فيه لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- في مطلع السورة: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} (يوسف: 3) .
فيقص الله على رسوله والمؤمنين معه قصة من أعظم وأحسن القصص، تتوالى أحداثها من بداية السورة، فتنتقل بك الآيات من حدث إلى حدث ومن مرحلة إلى مرحلة، في أسلوب معجز لا تشعر فيه بنَبْوة، ولا تحتاج القصة إلى أن تقسم إلى فصول ومشاهد، وإنما تنساب أحداثها كالماء العذب في جدوله رقراقًا صافيًا، إلى أن تصل إلى قبيل نهاية السورة في هذا الدعاء الخاشع من عبد الله ونبيه يوسف -عليه السلام- ذلكم حيث يقول: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (يوسف: 101) .