أي والله لو قلنا غير هذا القول، وعبدنا مع ربنا الذي خلقنا إلها غيره - لكان قولنا هذا حينئذ بعيدا عن الحق والصواب غاية البعد، وكنا بعبادة غير ربنا وخالقنا مفرطين غاية الإفراط في الضلال والظلم!
وفي هذا القول الذي قاله الفتية دلالة على أنهم دُعُوا إلى عبادة الأصنام وحُمِلوا عليها وأُنذروا على تركها، وكان ذلك بين يدي الملك الجبار العابد للأوثان. وسيأتي بيان أمره معهم.
أخرج ابن النذر وابن أَبي حاتم أنهم خرجوا من المدينة فاجتمعوا وراءها على غير ميعاد فقال رجل منهم هو أَشجعهم: إِنى لأجد في نفسي شيئًا ما أَظن أَحدًا يجده، قالوا ما تجد؟ قال أَجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض، فقالوا جميعًا نحن كذلك، فقاموا جميعًا فقالوا: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ... } الآية.
وصبَّرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم لهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة؛ فإنه قد ذكر غيرُ واحد من المفسرين من السلف والخلف: أنهم كانوا من أَبناء سادة الروم، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه، وكان لهم ملك جبار عنيد يأمر الناس بعبادة الأصنام والذبح لها، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤُلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إِلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم - عَرفوا أَن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها، لا ينبغي إِلا لله الذي خلق السماوات والأرض، فجعل كل منهم يتخلص من قومه وينتحى ناحية، حتى جمعهم الذي جمع قلوبهم على الإِيمان به، كما جاءَ في الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".
ثم توافقوا كلهم على عبادة الله وحده .. فلما انتهى أَمرهم إِلى ملكهم استحضرهم بين يديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوا بالحق ودَعَوه إلى الله عز وجل، وقد أجمل الله ذلك بقوله: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ... } الآية.