بعد أن ذكر الله تعالى كيد الكفار واستفزازهم للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وما كانوا يرومون به، أمره تعالى بالإقبال على عبادة ربه، وألا يشغل قلبه بهم. وقد تقدم القول في الإلهيات والمعاد والنبوات، فأردف ذلك بالأمر بأشرف العبادات والطاعات بعد الإيمان، وهي الصلاة.
ثم وعده ربه في الآخرة بالمقام المحمود وهو الشفاعة العظمى باتفاق المفسرين، ولما أمره تعالى بإقامة الصلاة والتهجد ووعده بالمقام المحمود، أمره بأن يدعوه بما يشمل الأمور الدينية والأخروية بقوله: وَقُلْ: رَبِّ أَدْخِلْنِي ...
والظاهر- كما قال أبو حيان- أنه عام في جميع موارده ومصادره دنيوية وأخروية. والصدق هنا: لفظ يقتضي رفع المذامّ، واستيعاب المدح.
ثم أبان الله تعالى أن ما أنزل عليه من القرآن فيه شفاء النفوس والقلوب من الداء الحسي والمعنوي وهو مرض الاعتقاد، ثم عرّض بما أنعم به، وما حواه من
لطائف الشرائع على الإنسان، وإعراضه عنه تكبرا، ثم رد على اليهود والمشركين المعرضين عن الإيمان، السائلين عن الروح تعنتا وتعجيزا.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الآية الأولى بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها، والمعنى: أيها الرسول، أدّ الصلاة المفروضة عليك وعلى أمتك تامة الأركان والشروط، من بعد زوال الشمس إلى ظلمة الليل، وذلك يشمل الصلوات الأربعة: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. والدلوك: ميل الشمس وزوالها عن كبد السماء ووسطها وقت الظهر. وإنما وجه الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والمراد أمته أيضا لمكانة المأمور به وهو الصلاة.
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ أي وأقم صلاة الفجر، وتلك هي الصلاة الخامسة. وقد أبانت السنة المتواترة من أقوال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وأفعاله مقادير أوقات الصلاة بدءا وانتهاء، على النحو المعروف اليوم.