ثم قال ابن كثير: واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح، لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول - تعالى -: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ....
وفي الحديث: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام، ما لا يمتنع كثير من الناس عن ارتكابه بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد، والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع».
وفي قوله - تعالى -: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ تصوير بديع لشدة القرب والاتصال بالله - تعالى - واستمداد العون منه - سبحانه - مباشرة، واللجوء إلى حماه بدون وساطة من أحد.
ثم بشره - سبحانه - بأن النصر له آت لا ريب فيه فقال - تعالى - وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.
والحق في لغة العرب: الشيء الثابت الذي ليس بزائل ولا مضمحل. والباطل على النقيض منه.
والمراد بالحق هنا: حقائق الإسلام وتعاليمه التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه - عز وجل - .
والمراد بالباطل: الشرك والمعاصي التي ما أنزل الله بها من سلطان، والمراد بزهوقه: ذهابه وزواله. يقال: فلان زهقت روحه، إذا خرجت من جسده وفارق الحياة.
أي: وقل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الشكر لربك، والاعتراف له بالنعمة، والاستبشار بنصره، قل: جاء الحق الذي أرسلنى به الله - تعالى - وظهر على كل ما يخالفه من شرك وكفر، وزهق الباطل، واضمحل وجوده وزالت دولته، إن الباطل كان زهوقا، أي: كان غير مستقر وغير ثابت في كل وقت. كما قال - تعالى -: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ.
وكما قال - سبحانه -: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ... .