49 -ولما فرغ سبحانه من حكاية شبه القوم في النُّبُوَّات حكى شبهتهم في أمر المعاد، فقال: {وَقالُوا} ؛ أي: وقال الذين لا يؤمنون بالآخرة من مشركي مكة، وغيرهم على سبيل الإنكار، والاستبعاد، وقد نسوا بداية خلقهم من تراب، بل إنهم خلقوا من لا شيء كقوله تعالى: {خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} ؛ أي: قالوا: {أَإِذا كُنَّا} ؛ أي: أنبعث ونعاد إذا كنّا {عِظامًا} في قبورنا، لم نتحطم ولم نتكسّر بعد مماتنا {وَ} كنّا {رُفاتًا} ؛ أي: عظاما متكسّرة مدقوقة مفتتة {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} بعد مصيرنا فيها، وقد بلينا فتكسّرت عظامنا، وتقطعت أوصالنا؛ أي: أئنا لمخلوقون {خَلْقًا جَدِيدًا} كما كنا قبل الممات، نصب على المصدر من غير لفظه، أو على الحالية على أنّ الخلق بمعنى المخلوق.
وإذا في قوله: {أَإِذا} متمحضة للظرفية، وهو الأظهر، والعامل فيها: ما دل عليه مبعوثون لا نفسه، لأنّ ما بعد إن، والهمزة، واللام لا يعمل فيما قبلها، وهو نبعث، أو نعاد كما قدّرنا في الحلّ، وهو محل الاستفهام الإنكاري؛ أي: حياتنا بعد الموت محال منكرٌ لما بين غضاضة الحي ويبوسة الرميم من التنافي،
وتقييده بالوقت المذكور، ليس لتخصيصه به، فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت، وإن كان البدن على حاله، بل لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له.
ومثل الآية قوله تعالى حكايةً عنهم: {يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (10) أَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً (11) قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (12) وقوله: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) } . انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 16/ 67 - 125} ...