114 - {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا ... } الآية.
الظاهر أن الخطاب في هذه الآية لمن ضرب لهم المثل من كفار مكة وأَمثالهم كما قدمنا، لأنه هو الذي يقتضيه النظم الكريم، فهو مفرَّع على التمثيل السابق، وصادٌّ لهم عما يؤدي إِلى مثل عاقبته.
والمعنى: وإذ تبين لكم حال من كفر بأنعم الله وكذب رسوله، وما حل بهم - بسبب ذلك من العذاب فانتهُوا عما أنتم عليه من الكفر والتكذيب، والتحليل والتحريم بأهوائكم، وكلوا مما رزقكم الله في أَرضه من الأنعام والحرث حال كونه حلالًا لا حرمة فيه ولا إثم، طيبًا لا تعافه النفوس الكريمة.
{وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ} : بطاعته وطاعة رسوله.
والفاءُ في المعنى داخلة على الأمر بالشكر، وإِنما أُدخلت على الأمر بالأكل، لأن الأكل وسيلة إلى الشكر فكأنه قيل: فاشكروا نعمة الله عقب أكلها، واعرفوا لها حقها, ولا تقابلوها بالمعصية والكفران.
{إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} :
أي إن كنتم تعبدون الله كما تزعمون، فأطيعوه فيما أمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه: ولا تحرموا ما أحل الله لكم، ولا تفتروا على الله الكذب بتحريم البحائر والسوائب ونحوها.
وقيل إن الخطاب في الآية الكريمة للمؤْمنين، وهو مروى عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعليه اقتصر ابن كثير.
ومعنى الآية على أن الخطاب فيها للمؤمنين خاصة:
وإذ تبين لكم أيها المؤمنون حال من ضُرب لهم المثل من الكفار وما انتهوا إليه. فاسلكوا أنتم سبيل الشكر، وكلوا بما رزقكم الله وجعله لكم حلالا طيبا, ولا تحرموه على أنفسكم، واشكروا نعم الله عليكم بطاعته وطاعة رسوله, إن كنتم تخصون الله ربكم بالعبادة, كما هو مقتضى إيمانكم به وحده.
ويجوز أن يكون الخطاب في الآية الكريمة للناس جميعا مؤمنهم وكافرهم. فيشمل القولين السابقين، وهو مناسب لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} .