وترتيب أخذ العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة الله تعالى. وهي أنه لا يعذب من كفر به حتى يبعث إِليهم رسولا يحذرهم عاقبة كفرهم، ويرشدهم إلى آيات ربهم وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .
ولقد تم المثل بعذاب القرية الظالمة، وظهر جَلِيًّا أن حال أهل مكة أشبه بحال تلك القرية، في السوء واستحقاق العذاب، فقد كانوا في حرم آمن، ويُتَخطَّف الناس من حولهم ولا يمر ببالهم طيف من الخوف والفزع، وكانت تجبى إِليهم فيه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنه سبحانه، استجابة لدعوة خليله إِبراهيم عليه السلام، إِذ قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} .
ولقد جاءهم رسول من أَنفسهم هو أَعظم الناس خُلُقًا وأَكرمهم معدنًا ونبلا، نشأَ بينهم زكيًّا نقيًّا حتى سموه الأمين، قبل أَن يرسله ربه رحمة للعالمين.
دعاهم رسول الله إلى الله، وأنذرهم. وحذرهم: ولكنهم آذوهُ وكذبوه، واستمروا في تكذيبهم عنادًا وكبرًا، حتى أخرجوه وأَصحابه من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.
هنالك انتقم الله منهم واستجاب دعاء نبيه فيهم إذ قال:"اللهم أعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف": فأصابتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع والجهد.
{فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) }
المفردات:
{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} : أَي وما ذكر اسم غير الله تعاد عليه: وسُمِّى الذكر على الذبيحة إِهلالًا لأنهم كانوا يرفعون به أصواتهم.
{غَيْرَ بَاغٍ} : أي غير ظالم لغيره.
{وَلَا عَادٍ} : ولا متجاوز ما يسد رمقه ويدفع جوعه.
التفسير