ولما كان هذا المثل ينطبق على أَهل مكة، ذهب كثير من المفسرين إلى أَن القرية في الآية الكريمة هي مكة، كما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال ابن كثير: هذا مثلٌ أُريد به أَهل مكة فإِنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، وكان يجبى إليها من ثمرات كل شيء فكفرت بأنعم الله وأعظمها بعثة محمد إليهم، فعوقبت بالجوع والخوف: اهـ. بتصرف، ويشارك أهل مكة في انطباق المثل عليهم كل من حذا حذوهم وسار سيرتهم إِلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكفى بالقرآن حجة بالغة، وعظة ناطقة.
والمعنى: وجعل الله تعالى مثلا قرية كانت ذات أمن وسلامة من كل مَخُوف، لا يهيج أهْلَها أحدٌ بإغارة أَو اعتداءٍ عليها، وكانت (مُطْمَئِنَّةً) : ساكنة قارَّة، لا يزعج أَهلها مزعج، ولا يرتحل عنها أَحد بسبب جوع أو خوف. يسوق الله إليها أَقواتها واسعة سهلة من كل بلد، وتحمل إليها من كل مكان برًّا وبحرًا.
{فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} :
أي جحد أَهل هذه القرية نِعم الله عليهم فقابلوها بالكفر بدل الشكر، وبالمعصية بدل الطاعة فعاقبهم الله بعقاب من الجوع والخوف تمكن منهم، وأحاط بهم إِحاطة اللباس بلابسه، بسبب ما كانوا يصنعونه من الكفر والمعاصي.
والتعبير عن سيئاتهم بقوله سبحانه: (بِمَا كاَنُوا يَصْنَعُونَ) . للإيذان بأَن كفران النعم صار صناعة لهم وخلقًا راسخًا فيهم.
ومن تتمة المثل قوله تعالى:
113 - {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} :
فقد جيءَ به لبيان أن ما صنعه أهل تلك القرية من الكفر بأَنعمه سبحانه، لم يكن امتهانًا للعقل وتحقيرًا له فقط، بل كان كذلك معارضة لرسولهم، أي ولقد جاء أهل تلك القرية رسول من أنفسهم، هم أدرى الناس بأصله ونسبه وخُلُقه، يخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وينذرهم سوءَ عاقبتهم إن لم يفعلوا عن الكفر والمعصية، ففاجأُوه بالتكذيب من غير تروٍّ ولا تدبر، ثم استمروا في كفرهم وعنادهم إِلى أن حلَّ بهم عذاب الله بالجوع والخوف وهم متلبسون بالظلم واغلون فيه.