قال الناصر: وإنما تفيد ذلك: {ثم} لأنها في أصل وضعها لتراخي المعطوف عليه في الزمان . ثم استعملت في تراخيه عنه في علو المرتبة ، بحيث يكون المعطوف على رتبته أشمخ محلاً مما عطف عليه . فكأنه بعد أن عدَّد مناقب الخليل عليه السلام ، قال تعالى وها هنا ما هو أعلى من ذلك كله قدراً ، وأرفع رتبةً ، وأبعد رفعةً ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم الأمي ، الذي هو سيد البشر ، متبع لملة إبراهيم ، مأمور بإتباعه بالوحي ، متلوُّاً أمره بذلك في القرآن العظيم . ففي ذلك تعظيم لهما جميعاً . لكن نصيب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا التعظيم أوفر وأكبر ، على ما مهدناه . وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:
{إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [124] .
{إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ} يعني اليهود ، فرض عليهم تقديسه وإراحة أنفسهم ودوابهم فيه من الأعمال . فاعتدوا فيه واحتالوا لحلِّه .
قال القاشاني: أي: ما فرض عليك ، إنما فرض عليهم . فلا يلزمك إتباع موسى في ذلك ، بل إتباع إبراهيم ، وقوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: بالمجازاة على اختلافهم ، يعني إفسادهم وزيغهم عن طريق الحق .
ثم بيَّن تعالى أدب الدعوة إلى دينه الحق ، بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:
{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [125] .