وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده. وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده. وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: {إني جاعلك للناس إماماً} [البقرة: 124] وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم {قانتاً لله} قائماً بما يأمره الله. وعن ابن عباس: مطيعاً لله {حنيفاً} مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه. وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى. {ولم يك من المشركين} قط لا في الصغر ولا في الكبر {شاكراً لأنعمه} وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة. يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم {اجتباه} اختصه واصطفاه للنبوّة {وهداه إلى صراط مستقيم} إلى ملة الإسلام {وآتيناه في الدنيا حسنة} عن قتادة: هي أن الله تعالى حببه إلى أهل الأديان كلها. وقيل: الأموال والأولاد. وقيل قول المصلي منا"كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم". {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه {وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] .
قال في الكشاف: معنى"ثم"في قوله: {ثم أوحينا إليك} تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم ، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.