والثاني: أنهم أهل مكة المشركون ، لما اشتدت مجاعتهم ، كلَّم رؤساؤُهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: إِن كنتَ عاديتَ الرجال ، فما بال النساء والصبيان؟! فأَذِن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أن يحملوا الطعام إِليهم ، حكاه الثعلبي ، وذكر نحوه الفراء ، وهذه الآية والتي تليها مفسرتان في [البقرة: 172 173] .
قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تَصِفُ ألسنتكم الكذب} قال ابن الأنباري: اللام في"لِما"بمعنى من أجل ، وتلخيص الكلام: ولا تقولوا: هذه الميتة حلال ، وهذه البَحيرة حرام ، من أجل كذبكم ، وإِقدامكم على الوصف ، والتخرُّص لما لا أصل له ، فجرت اللام هاهنا مجراها في قوله: {وإِنه لحب الخير لشديد} [العاديات: 8] أي: وإِنه من أجل حب الخير ، لبخيل و"ما"بمعنى المصدر ، والكذب منصوب ب"تصف"والتلخيص: لا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب.
وقرأ ابن أبي عبلة:"الكُذُبَ"، قال ابن القاسم: هو نعت الألسنة ، وهو جمع كذوب.
قال المفسرون: والمعنى: أن تحليلكم وتحريمكم ليس له معنىً إِلاَّ الكذب.
والإِشارة بقوله: {هذا حلال وهذا حرام} إِلى ما كانوا يُحلُّون ويحرِّمون ، {لتفتروا على الله الكذب} وذلك أنهم كانوا ينسبون ذلك التحليل والتحريم إِلى الله تعالى ، ويقولون: هو أَمَرنا بهذا.
وقوله: {متاع قليل} أي: متاعهم بهذا الذي فعلوه قليل.
قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرَّمنا ما قصصنا عليك من قبل} يعني به ما ذكر في [الأنعام: 126] وهو قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كلَّ ذي ظُفُر} {وما ظلمناهم} بتحريمنا ما حرَّمنا عليهم ، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بالبغي والمعاصي.
قوله تعالى: {ثم إِن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} قد شرحناه في سورة [النساء 17] وشرحنا في [البقرة: 160] التوبة والاصلاح ، وذكرنا معنى قوله: {من بعدها} آنفا.