وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما نزلت الآية في ابتداء الأمر الذي كان القتل مع الكفرة قتل مجازاة؛ مثل قوله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) ، وكقوله: (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) ، ومثله؛ فإذا كان على المجازاة أمر ألا يتجاوزوا عقوبتهم، ولكن بمثله، وأمَّا إذا كان القتال معهم لا قتال مجازاة فإنهم يقتلون جميعًا إذا أبوا الإسلام؛ بقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ...) الآية، وقوله - عليه السلام -:"أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ الناسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلا اللَّه"، وقوله - تعالى - (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) .
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا، ولكن قد نزلت في أهل الإسلام، وحكمه في القصاص والقطع فيما دون النفس والجراحات: أمر ألا يتجاوزوا حقوقهم؛ كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) ، وقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ...) الآية، وقوله:
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى...) الآية.
وقوله - عزّ وجلَّ -: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ) .
على ذلك.
(لَهُوَ خَيْرٌ) أي: الصبر خير (لِلصَّابِرِينَ) .
ودل قوله: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) على أن الآية في القصاص لا في الحرب؛ لأنه في الحرب لا يقال اصبر ولا تصبر، بل يكون الصبر جهادًا؛ دل أنه في غير المحاربة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127)
أي: ما توفيقك على الصبر إلا باللَّه؛ كقول شعيب: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ...) الآية
والثاني: واصبر وما صبرك إلا باللَّه، أي: تركك القصاص لأمر اللَّه؛ حيث أمرك به، لا لضعف أو عجز فيك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) .