أحدهما: لما ادعى كل أهل الأديان أنهم على دينه وانتسب كل فرقة إليه فبرأه اللَّه من ذلك، وأخبر أنه ليس على ما هم عليه من الدِّين؛ وهو ما قال: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا...) الآية.
والثاني: ذكر هذا: أنه لم يكن من المشركين بقوله: (هَذَا رَبِّي) ؛ لأنه هو كان ذلك عنه على ظاهر ما نطق: كان ذلك في الظاهر إشراكًا، ففيه مشبه في ظاهره؛ فبرأه اللَّه عن ذلك وأخبر أن ذلك منه لم يكن إشراكًا، ولكن على المحاجة خرج ذلك منه محاجة قومه؛ لقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) ، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(121)
أي: لم يصرف شكر نعمه إلى غير المنعم، بل صرف شكرها إلى منعمها، والشكر في الشاهد هو المكافأة، ولا يبلغ أحد من الخلائق في المرتبة التي يكافئ اللَّه في أصغر نعمة أنعمها عليه، ولا يتفرغ أحد عن أداء ما عليه من إحسان اللَّه عليه فضلًا أن يتفرغ لمكافأته؛ لكن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بفضله ومنه سمي ذلك شكرًا، وإن لم يكن في الحقيقة شكرًا؛ كما ذكر الصدقة التي تصدق بها العبد إقراضا كما سمى تسليمه لنفسه وبذله الأمر لله - شراء، وإن كانت أنفسهُم وأموالهم في الحقيقة - له، ولا يطلب المرء في العرف القرض من عبده، وكذلك شراء؛ لكنه بلطفه وفضله عامل عباده معاملة من لا ملك له في أنفسهم وأموالهم؛ فعلى ذلك في تسمية الشكر؛ واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اجْتَبَاهُ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: لرسالته ونبوته، واجتباه من بين ذلك القوم وجعله إمامًا يقتدى به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
وهو دين الإسلام، وهو ما ذكر: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا...) الآية.